أحمد بن يحيى العمري

98

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الأعداء لو أنها وجار الثعالب . فلم يزل مناظره معه يتغلب ، ويعطيه حلاوة من طرف اللسان ويروغ كما يروغ الثعلب ، فلم تعرف له أوقات فراغ ، ولا وصف وصف ثعلب ذهب فراغ ، فحمد رايته رأيه في مطلع ومغيب ، وطلع عليه فقال : صباحك ثعلب ومساك ذيب . قال ابن خلكان : كان إمام الكوفيين في النحو واللغة ، وكان ثقة حجة صالحا مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ، ورواية الشعر القديم ، مقدما منذ هو حدث . وكان ابن الأعرابي إذا شكّ في شيء قال له : ما تقول يا أبا العباس في هذا ؛ ثقة بغزارة حفظه . وكان يقول : نظرت في حدود الفرّاء وسنّي ثماني عشرة سنة وبلغت خمسا وعشرين سنة ، وما قرئت عليّ « 1 » إلا وأنا أحفظها . وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ « 2 » ، قال لي ثعلب : يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا ، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا ، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا ، واشتغلت أنا بزيد وعمرو ، فليت شعري ما ذا يكون حالي في الآخرة ، فانصرفت من عنده فرأيت النبي صلى اللّه عليه وسلّم في تلك الليلة في المنام فقال لي : أقرئ أبا العبّاس عنّي السلام ، وقل له أنت صاحب العلم المستطيل . قال أبو بكر : أراد أن الكلام به يكمل والخطاب به يحمل ، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه . وكان له شعر . قال أبو بكر بن القاسم الأنباري : انشدني ثعلب ولا أدري هي لغيره أم لا . [ الطويل ] إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها * فكم تلبث النّفس التي أنت قوتها ستبقى بقاء الضبّ في الماء أو كما * يبقّي لدى ديمومة البيد حوتها « 3 »

--> ( 1 ) في وفيات الأعيان ورد الآتي : « وما بقيت عليّ مسألة للقرّاء إلّا وأنا أحفظها » ، 1 / 102 . ( 2 ) أحمد بن موسى بن العباس ، أبو بكر بن مجاهد من شيوخ القراء ، توفي سنة 324 ه . وفيات الأعيان 1 / 102 . ( 3 ) وفيات الأعيان 1 / 102 . وإنباه الرواة 1 / 138 .